أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - ماذا يحصل في غرداية ؟

أحداث ومحطات

الثلاثاء 14 جانفي 2014

ماذا يحصل في غرداية ؟

د. ناصر جابي

تبدأ الإجابة الصحيحة على هذا السؤال عندما نقرر الخروج من منطق النفاق السائد الذي لا زال يصر على أن المالكية والاباضية ..أخوة عاشوا في سلم وطمأنينة وتآخي وأن... أيادي من خارج المنطقة هي التي تحرك و أن وأن...

في البداية إذن لابد من الاعتراف بأن هناك مشكل بل مشاكل جدية هي التي تجعل المنطقة قابلة للاشتعال كل مرة لأسباب تبدو تافهة لأول وهلة،كما حصل في أكثر من مدينة من مدن مزاب مثل غرداية وبريان، عدة مرات في السنوات الأخيرة.صحيح مشاكل لا تختلف عما يعرفه أغلبية الجزائريين من بطالة وسوء تسيير إداري ونقص في ممارسة المواطنة....الخ، لكنها مشاكل تأخذ منحى آخر في غرداية وتعبر عن نفسها بشكل مختلف لا نجده في باقي الولايات الأخرى.

لذا لابد من محاولة التعرف بدقة عما يميز الولاية ليس من جانب عدم تجانسها المذهبي واللغوي وحتى السوسيولوجي المعروف،بل من جانب التحولات السريعة التي تعيشها بخصوصية أكيدة ضمن الحالة الوطنية الكلية في العقود الأخيرة.تحولات قد تكون العامل الأساسي لتفسير ما يحدث من اضطرابات في السنوات الأخيرة.

من ضمن هذه التحولات المهمة التي تعرفها ولاية غرداية ذلك " الطلب " الكبير على العقار القليل أصلا في هذه الولاية الصحراوية المكتظة سكانيا، ليس من قبل السكان الحضر التقليدين من بني مزاب لكن من المحيط البدوي الذي ينعت بالعربي. محيط بدوي يتجه بشكل واضح إلى التحضر ودخول المدينة للاستقرار النهائي فيها.. مما يعني أن هذه المدن مرشحة للتحول إلى فضاء للاستقطاب الاجتماعي والصراع على كل شيء تقريبا،عمل،عقار، سلطة، مواقع اجتماعية،بكل الرمزيات المرتبطة بها.

صراعات من كل نوع سيؤججها التسيير غير الشفاف والبيروقراطي للإدارة ومؤسسات الدولة التي لا ينخرط فيها مواطنو الولاية بنفس الدرجة،فالمعروف عن المزابي الإباضي أنه لا ينخرط في مؤسسات الدولة بنفس الكثافة التي ينخرط بها الشعانبي الذي كان دائما أكثر قربا من الحالة الوطنية، تعلق الأمر بالانخراط في جبهة التحرير أو الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو مؤسسات وأسلاك الدولة الرسمية كالجيش والشرطة ...الخ.

في حين حافظ المزابي على مساحة معينة من مؤسسات الدولة جعلته يختار التمثيل المستقل على سبيل المثال عندما حانت ساعة التعددية الحزبية.كما اختار العمل التجاري الحر تاريخيا،بدل التوجه إلى الوظيفة العمومية والعمل عند رب العمل الذي اكتشفه الجزائري بعد الاستقلال ...الدولة الوطنية.

عمل تجاري أصبح محل منافسة "غير شريفة " من قبل جحافل من "التجار الجدد " ليس في غرداية ومدنها بل في كامل التراب الوطني."تجار" لا يتورعون عن تغيير نشاطهم التجاري كل ستة أشهر،يريدون أن "يترفهوا " في أقل من سنة،عكس التاجر المزابي الحرفي الذي لازال يصر على إعلان أسعار ما يبع من سلع ويغلق ويفتح في توقيت منتظم وهو يتوارث هذه المهنة لعدة أجيال. 

نركز على هذه الأبعاد الاقتصادية للقول أننا قد نكون مجبورين للتوجه إلى الحميز وتاجنانت والعلمة لفهم ما يحصل في غرداية وبريان والعطف من عنف، نتيجة أزمة النظام الاقتصادي المزابي التقليدي الذي استطاع التكيف مع "اشتراكية بومدين" لكنه يعاني كثيرا في التكيف مع منطق اقتصاد الغابة الذي تعيشه الجزائر في السنوات الأخيرة.

"نظام اقتصادي مزابي" يشعر أنه أصبح محاصرا حتى في عقر داره في بريان والعطف وبنورة من قبل موجات من السكان "الحضر الجدد" الذين يطالبون بالسكن والعمل والعقار في منطقة تعرف ندرة في الموارد وكثافة سكانية كبيرة. زادها تعقيدا سوء التسير ولا شفافيته في منطقة تعيش حالة عدم تجانس اجتماعي ومذهبي و ثقافي.

عدم تجانس لغوي وثقافي ومذهبي مرشح للاستمرار على المدى الطويل في هذه المنطقة التي يصر سكانها على الزواج الداخلي بشكل ملفت للنظر،عكس ما هو حاصل في مناطق أمازيغية أخرى،أصبح السائد فيها الزواج المختلط حتى وإن تعلق الأمر ببنات العائلات "الشرفاء" القبائليات الجميلات.وضع سيجعل بني ميزاب هم الحماة الفعليين للامازيغية في الجزائر وربما في كل منطقة المغرب الكبير،نتيجة هذا الإصرار على التميز والخصوصية التي يعيدون إنتاجها وهم يختارون منطق الزواج الداخلي، عكس أبناء المناطق الأمازيغية الأخرى.

تغير كثيرا الشاب الإباضيحتى وهو يختار الزواج من ابنة عمه المزابية ،كما تغير كل شباب الجزائر،فلم يعد ينتج ابن هذا المذهب المسالم اذي تعلم من دروس التاريخ ،نفس السلوكات التي ميزت دائما الأب التاجر الهادئ والمسالم والمستعد حتى على التنازل على حقوقه ...وعدم الاشتباك مع المحيط المباشر، تعلق الأمر بمناوشات أطفال أحياء مدن الشمال غير البريئة دائما أو مصالح الضرائب التابعة للدولة.

شاب اباضي تعلم واختلط مع جيرانه من أبناء الجنوب وهو يتوجه إلى الجامعة التي وصلت إلى غرداية نفسها،دون أن يتنازل على مدرسة الحياةالتي لازال يدرس فيها حتى أبناء المذهب من العرب.شاب من مصلحتنا كنظام سياسي، لم ينجح دائما في التسيير السياسي الجيد للتحولات التي أنجزتها الدولة الوطنية ، في أن نمنحه الحزب والجمعية والنقابة والوسيلة الإعلامية المستقلة لكي يدافع عن نفسه ويعبر عن خصوصيته ضمن الحالة الوطنية الكلية ولا نسقط في ما يروج لج له les Apprentis Ethnologues من إداريين وسياسيين لازالوا يصرون على التعامل مع ذوات مذهبية وثقافوية ليس في غرداية فقط، بل في كل مدن وأحياء الجزائر .... بعد أن افرغوا مؤسسات الدولة الحديثة من محتواها العصري والحي،ويريدون أن يحولوا الجزائريين كل الجزائريين إلى "قناديز "، توزع عليهم الهبات والعطايا مقابل التنازل على مواطنتهم،في زاوية كبيرة اسمها ...الجزائر . 

 

المصدر صحيفة الوطن الجزائري

إضافة تعليق