أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - حتى لا تتكرر مأساة غرداية مستقبلا...
من السذاجة أن تعبار أحداث غرداية الأخيرة مجرد أحداث شغب يتوّرط فيها مجموعة من شباب الأحياء، ثم تلحق بها صفة الطائفية أو الجهوية أو غير ذلك من الأسباب المباشرة وغير المباشرة، دون الوقوف عند أسبابها الحقيقية ومحاولة معالجتها، وهذه المقالة محاولة لمقاربة المشكلة في مستوى ترشيد الفكر ومعالجة مسألة النماط التميزية التي نحسبها أحد العوامل المغذية للاحتقان في منطقة غرداية وادي ميزاب جنوب الجزائر.
بعد أن بدأت الحياة تنبعث من جديد -وعلى توجّس- في شوارع غرداية ومؤسساتها العمومية وأسواقها وأزقتها، بفضل التدخل الموفق للقوات الخاصة. فإنّه لابد من طرح السؤال: ماذا عن مستقبل العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع الغرداوي؟؟؟ من أجل أن لا تكرّر المأساة مرة أخرى وتتوقّف سيناريوهات الفتنة المفتعلة التي ظل المجرمون يتوكّؤون عليها لقضاء مآربهم واستمرا ر مسلسل العنف والفساد.
ولقد ظل هذا السؤال الهام والحساس محل استفهام استنكاري تعجّبي كلما سنحت الفرصة لمناقشة الموضوع مع بعض الإخوة الأكارم من أفاضل الناس ومصلحي المجتمع، أساتذة وأدباء ومفكرين وشخصيات هامة وإطارات, سواء من داخل غرداية أو من مختلف جهات الوطن، وكانت الأجوبة في كل مرّة تجمع على أنّه لا مناص من التفكير في مستقبل العلاقات الإنسانية بين أبناء الوطن الواحد بولاية غرداية عامة ووادي ميزاب خاصة، بعد ما خلفته الأحداث الأخيرة من جروح وخروق ليس من السهل تضميدها على المدى القصير، إلا برحمة من الله تلين بها القلوب وتصحوا بها العقول لتتغلّب في النهاية لغة العقل والقلب على ما سواها وما ذلك على الله بعزيز إن شاء الله تعالى...
إذ لا يمكن أن تظل القوات الخاصّة مرابطة في الشوارع والساخات وسفوح الجبال تحرس الأرواح والممتلكات وتفرض النظام العام، بل وإن طال بقاؤها نسبيا فإنّها لا تستطيع أن تنزع ما في القلوب من أغلال وتضمد ما فيها من جروح، وهو الأساس، لأنّ ذلك ليس من اختصاصها، مما يستدعي تدخّل فريق آخر من حماة وحدة هذا الوطن من المدنيين المخلصين، والنخب -وطنية ومحلية-، من خلال برنامج عملي قد يستغرق زمنا طويلا ويستهلك جهدا كبيرا في مجال الإرشاد النفسي والترشيد الاجتماعي...
ذلك أنّه وبعد أن تبسط الدولة سلطان العدل والأمن على الجميع في شكله المادي المتمثل في تقوية جهاز القضاء وتعزيز الأمن وتطهيره من العناصر المسيئة لسمعة الوطن بتصرفاتها غير المهنية. فلابد من بسط سلطان العلم والمعرفة والتأسيس لاستراتيجية وطنية شاملة من أجل محاربة الجهل والتطرّف والعصبية القبلية والعروشية والجهوية...وغير ذلك من الأفكار السلبية التي كانت ولاتزال من العوالمل المباشرة أو غير المباشرة في تأجيج الصراع بين المواطنين وإضرام نار الفتنة هنا وهناك. وفي المقابل العمل على ترشيد الفكر ونشر التسامح الديني وقبول الاختلاف والتنوّع واعتبارهما ثراء للشخصية الوطنية وتعزيزا لمقوماتها.
ولعلّي أركّز في هذا المقال على مسألة خطيرة لابد من معالجتها مستعجلا، وهي ذات صلة مباشرة بتأزّم الوضع في غرداية واتخاذ الأحداث صبغة الفتنة الطائفية، وأعني بذلك مشكلة الأنماط التمييزية في نظرة المواطنين لبعضهم وبالتالي إطلاق الأحكام القيمية على بعضهم، وإصرار بعض الجهات على توظيف هذا التمييز وتلكم الأحكام لتأجيج الصراع وتعميق الشرخ سواء عن قصد أو غير قصد، وهو ما حدث في غرداية عندما ركب أغلب الناس هذه الموجة، بما في ذلك الإعلام بمختلف أنواعه فصاروا يصنفون المتورّطين في الأحداث على أنّهم مالكية أو إباضية من جهة أو عربا وأمازيغ من جهة أخرى، إذ من المفترض أن يعمل الجميع والدولة خاصة على تفادي السقوط في وحل الفتنة بتجنّب التصنيف على أساس الانتماء والاكتفاء بذكر أنواع الأضرار واسماء الأحياء المتضررة وأوصاف المجرمين إن أمكن وهكذا.
إنّ من الواضح للعيان بالنسبة لأحداث غرداية الأخيرة خاصة، هو أنّها لن تنطفئ جذوتها أبدا مهما فعلت الدولة في جانب التعزيزات الأمنية وتقوية جهاز العدالة وغير ذلك من الحلول السطحية الترقيعية، ما لم تأخذ مسألة التمييز العنصري والطائفي بجدية من أجل معالجة المشكل في جذوره.
ولعلّ الأخطر في هذا التمييز ما يتعلّق بالأحكام القيمية المتطرّفة التي يوظفها بعض المفتنين للترويج للفتنة، سيما ما يتصل منها باتهام الميزابيين أتباع مذهب الإمام التابعي جابر ابن زيد الأزدي والمعروفين باسم الإباضية، على أنّهم من الخوارج وبالتالي استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم وذلك، اعتمادا على بعض الكتابات المغرضة والمتعصّبة سواء في القديم أو الحديث، مما يؤدّي إلى برمجة المواطنين البسطاء والشباب الغافلين منهم خاصة على العدوان وتبرير العداء مما يعمّق الشرخ ويعرقل المساعي الداعية للهدنة والتسامح.
لقد بات من الضروري أن يعي المسؤولون في وطننا الغالي الجزائر خطورة المسألة ويعملوا من أجل أن لا تكررّ المأساة سواء في غرداية أم في غيرها من مناطق الوطن، وعلى جميع المواطنين النزهاء والمخلصين دينهم لله سواء أكانوا مقلدين لمذهب فقهي أم لا، سيما الكتاب منهم وأصحاب المنابر والدعاة والمصلحين والمعلّمين والأساتذة الجامعيين والباحثين في مختلف الاختصاصات الاجتماعية والإنسانية، أن يسهموا بجهودهم قدر المستطاع من أجل وحدة الوطن والدين، وأن يترفعوا عن السقوط في وحل الفتنة في ما يتصدرونه من خطب المنابر أو يحرّرونه من الكتابات والبحوث والمنشورات، وبهذا يسهم الجميع في قطع الطريق أمام المجرمين والفتانين والمتجرين بوحدة الوطن والدين، ونضمن بذلك وبتوفيق من الله تعالى مستقبلا أفضل للغرداية والجزائر.
د. يحي بوتردين
الرابط: http://www.aswat-elchamal.com/ar/?p=98&a=39117
المصدر: أصوت الشمال
(مجلة عربية ثقافية إجتماعية شاملة)