أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - الإباضية وفقه النوازل السياسية
لم أكن مخطأ ححينما تساألت في مقالي السابق بالقول: هل يمكن إعفاء السلفية مما يحدث من فتن في منطقة واد ميزاب وقد أفتى شيوخهم بالجزائر بإخراج إخوتنا الإباضيين من زمرة أهل السنة والجماعة؟ وبالخصوص وأن تقاعسهم للتحرك في إصلاح ذات البين وغيابهم السلبي عن مسرح الأحداث كان لافتا وكأن الأمر لايعنيهم من قريب أو من بعيد لا يتركون أي فرصة أو حادثة تحدث في مناطق الوطن إلا واستثمروا فيها لصالحهم ولصالح مذهبهم الذي يعتنقونه ويدعون إليه، ولكن للأسف مساعيهم أغلبها تفرق أكثر مما توحد وتشتت أكثر مما تجمع.
و أخطر ما في الأمر هو أن هذا الأسلوب متبع عند عامتهم و خاصتهم ، فخلال مجريات مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بسلطنة عمان سنة 1988 توجه بعض الشباب السعودي إلى المرحوم الشيخ عبد العزيز بن باز ليسألوه قائلين: وفد علينا بعض أتباع المذهب الإباضي، فهل تجوز الصلاة وراءهم؟ رد الشيخ بن باز بالسلب، و أفتى بأن الإباضية فرقة ضالة لا تجوز الصلاة وراء أتباعها، يصدر مثل هذا الكلام في الوقت الذي يتعقد فيه المؤتمر من أجل التقريب بين المذاهب و توحيد كلمة الأمة أمام التحديات التي تواجهها، و لكن أين نضع مثل هذا الخطاب المتطرف و المنغلق أمام ما أفتى به آية الله علي خمينائي حينما أجاز للشيعة بالصلاة خلف أهل السنة مادام ذلك يخدم وحدة الأمة كما أشرت لذلك سابقا و أكرره مرة أخرى و لو كره التقسيميون و التكفيريون الذي يجهلون مقاصد الشريعة التي جاءت لتسع الجميع مادام إلههم و احد و قرآنه واحد و نبيهم واحد و قبلتهم واحدة و الباقي يدخل في دائرة الاجتهاد القابل للخطأ و الصواب الذي يجب أن نتعامل معه بكثير من الصبر و الحكمة.
لقد كثر الحديث في المدة الأخيرة حول اختراق المال الفاسد و المشبوه في الحياة السياسية لدرجة أن السفهاء الذين ذللت أمامهم العقبات أضحوا هم أصحاب القرار أو على الأقل هم الذين يشكلون و يهندسون للقرار السياسي بدل المناضلين الحقيقيين و الشرفاء، و حينما حذرنا من عواقب ذلك لم يستمع إلينا و اتهمنا بالترويج " لإفك الحديث" و لكن و مع مرور الأيام تحول الذين اتهمونا إلى صفنا بعدما اكتووا بنار السفهاء و الدخلاء، و حينما نجد أنفسنا وسط هذا الدخان الأسود الذي يحجب عنا الرؤية السليمة فلا بد من تقليب دفاتر التاريخ للتعلم منها و بالخصوص و أن المال غير بريء مما يحدث في غرداية الجريحة التي تحول ماء ميزابها إلى مالح أجاج هذه الأيام و هو الذي نبت من حوله حضارة نضرة أصلها ثابت و فرعها في السماء، و بهذه المناسبة وجدتني مضطرا للعودة إلى نصوص التراث الخالد الذي خلفه لنا الشيخ بيوض رحمه الله و هذا لإعادة قراءته من جديد و ربطه بالأحداث الأليمة التي تحيط بنا اليوم من كل جانب و التي من ورائها عدة أسباب و مسببات، فقراءة متأنية لنص خطاب الشيخ بيوض رحمه الله الذي توجه به إلى قدماء التلاميذ يوم 10 أوت 1948 يكتشف وكأن الزمن قد توقف، فقد أوصى حينها بالواجب الوطني و الديني الذي ينتظر أبناء الأمة و في مقدمتهم النخبة المثقفة للنهوض بالوطن و منطقة وادي ميزاب على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، و معرض خطابه قال رحمه الله: " لقد سئمنا و الله من تصدر الأميين بسبب أموالهم لجماعات التل، لقد أظهرت التجارب و الامتحانات أن حليف المخلصين النجاح و إن قلت أموالهم و أن عاقبة الذين يتكلمون على أموالهم الخسران المبين"، و من وصاياه للمثقفين العمل على انتزاع القيادة من غير الأكفاء و لكن لا يتأتى ذلك إلا بالمثابرة و الإخلاص في العمل و بذلك تنقاد لهم و بالرغم من ذلك يشترط الشيخ بيوض شروطا لا بد من توفرها لدى معشر المثقفين و هذا مما نفتقد إليه اليوم و المتمثل في : صفاء القلب و طهارة الضمير و إخلاص النية و العمل و الابتعاد عن العنصرية التي اعتبر بأنها الداء العضال.
حينما أدلى الشيخ بيوض بهذا الخطاب في ذلك الوقت كان حينها عضوا بالبرلمان" المجلس الجزائري الذي وضعته فرنسا، و مع ذلك لم يخن القضية الوطنية و يتملق لفرنسا و يجاريها في مشاريعها و قال بالحرف الواحد بكل عزة و كرامة نفس " ليس للقب النائب عندي قيمة غلا بالقدر ما أجلب لقومي من خير و ما أدفع عنهم من ضير، لا يهمني أن أبرز في المجلس في غير ما يتصل بقومي، و إني لأنفع أمتي بهذا اللقب خارج المجلس كذلك، فإن الحامل للقب النائب تفتح في وجهه أبواب موصدة و تصغي إليه آذان كانت تتصامم"، نعم هكذا كان الشيخ ينظر لأمانة النيابة التي تولاها لخدمة الصالح العام و ليس لتحقيق المصالح الشخصية و كسب الشهرة و المال و الحصانة، فهل يتعظ السادة نواب هذا الزمان بحكمة الشيخ بيوض و يخلصون في أداء مهامهم لله و للوطن و المواطن؟؟
مخطئ من يظن بأن اللعب على الطائفية و المذهبية لقسيم المجتمعات الإسلامية و ضرب بعضها بعض ( شيعي/ سني) هي وليدة اليوم، ففرنسا الاستعماري حينما فشل في جر الإباضيين لمخططها الانفصالي ( فصل الصحراء عن الجزائر)، سعت بكل ما لديها من وسائل المكر و ساعدها لتنفيذ ذلك بعض العملاء، للوقيعة بين الميزابيين و المالكية، بحيث تم الهجوم على أحد مساجد المالكية و تدنيس المصحف الشريف بمدينة ورقلة و بفعل ذلك اندلعت فتنة راح ضحيتها بعض الأبرياء و لما نقول ذلك فهذا لا يعني أننا نفاضل بين الأرواح البشرية التي حرم الله قتلها إلا بالحق و مهما كانت هذه الروح و لو كانت على غير دين الإسلام ( فمن قتلها كمن قتل الناس جميعا و من أحياها كمن أحيا الناس جميعا)، و بالتالي لا يظنن أحد أنني أميل لهذا الطرف أو لذاك و ليس من الحكمة و العقل الوقوع في ذلك، و حينما نتحدث عن أرواح اليوم فلا بد من استذكار نموذج من أرواح الأمس التي سقطت في فتنة ورقلة شهر سبتمبر 1961 و التي راح من ضحايا السيد بوعصابة بكير بن باحمد( من مواليد القرارة سنة 1915)، فمصرعه تم و هو في رحلة لورقلة قصد علاج زوجته و لم يكن له أي دخل من قريب أو من بعيد في أحداث ورقلة، و مما جاء في درس الشيخ بيوض خلال تشييع الجنازة حينها، أن السيد بوعصابة قد قتل ظلما و من دون جريرة ارتكبها و هذا مما حرمه الإسلام و هو من الكبائر، بل و أفضع من ذلك أنه تم التنكيل و العبث بجثة المرحوم و هذا مما تعافه الفطرة السليمة و تنكره العرب ، و بعد درس طويل قال الشيخ بيوض دون تعصب" أن الذين قاموا بهذه الفتنة بين المسلمين في هذا الوقت، و هذا الظرف، إنما هم أعداء الدين و أعداء الإسلام و أعداء الوطن، أعداء الجزائر، أعداء الحرية...بربكم خبروني : من يستفيد من هذه الفتنة التي حدثت بين إخوة مسلمين، إلههم واحد، و دينهم واحد، و كتابهم واحد و قبلتهم واحدة فكروا جيدا: ترى من يستفيد من هذه المصيبة..." و نحن بدورنا نطرح اليوم و بحزن شديد نفس هذه التساؤلات التي هي في حاجة إلى من له دراية بفقه النوازل السياسية ليجيب عليها بكل موضوعية و تجرد و تجد طريها للتنفيذ و التطبيق لدى أصحاب القرار، كما و أن كلمات الشيخ بيوض الربانية الواعية تصلح اليوم أكثر من أي وقت مضى و لكن من يتحمل مسؤولية أداء هذه الأمانة الثقيلة و قد انحصر نفوذ العقلاء و الوجهاء في هذا الزمن الذي انقلبت فيه الموازين لصالح السفهاء لدرجة أن الشياطين أضحوا ملائكة و الملائكة شياطين !؟؟
عدة فلاحي/ كاتب و برلماني سابق
المصدر: جريدة الشروق