أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - الأقليات في الجزائر: حقيقة أم وهم؟
في التصريحات الأخيرة للوزير الأول عن الأقليات في الجزائر.. ما يشير إلى أننا لا نرى الأشياء كما هي على الأرض.. أي كما نعيشها.. وكما تتحرك وتتطور.. بل نتخيلها.. كائنات غريبة توشوش في رؤوسنا.. وتنزل أحيانا لتمشي الورق.
هويحذر (الأطراف التي تعتبر الجزائر منقسمة).. لم يقل لنا مم؟.. وينفي أصلا (وجود أقليات في الجزائر، إذ يوجد شعب جزائري،..).. ويرى ما جرى في غرداية من منظور مذهبي ( فديننا واضح، وليس لدينا خلافات، فإخوتنا الإباضيين هم سنيون مثلنا، ولا يوجد ما يفرقنا أبدا).
سياسيا.. هذا كلام جميل.. فهل هوكلام واقعي وحقيقي؟
ما حدث في غرداية.. حلقة في مسلسل.. وليس بداية المسلسل أونهايته.. فأن يُقتل الناس على هوية وهمية.. وتُحرق متاجرهم ويُعتدى عليهم.. وتصبح مصداقية الدولة على المحك.. ليس أمرا هينا.. ولا يكتفى فيه بتفسير مبسط أو عابر.. فالمستقبل لا يبنى بالقفز على الحاضر.. ثمة ما يحاك ليس في الظلام.. بل في ضوء الشمس.
من وجهة نظري.. ليست أحداث غرداية مذهبية.. فالإسلام لا يحرض أتباعه على البغي.. ودائرته أوسع من أن تحيط بها أهواء بعض الجهلة.. وضيقي الأفق.. لذا يجب أن نبحث عن دوافع ومحركات أخرى.
من السهل أن نقول إنه لا توجد أقليات في الجزائر.. لكن كيف نجيب من يصرح باختلافه عن الآخرين.. ويطالب باحترام خصوصياته اللغوية والثقافية والعرقية.. ويصر على أنه جزائري لكن بمواصفات أخرى؟
***
عندما تمت "دسترة" الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية.. أكد هذا رسميا وجود أكثر من لغة في الجزائر.. هذه نتيجة ومقدمة أيضا.. وبالضرورة من يمنع الآخر غدا أوبعد غد.. من رفض تعلم أودراسة لغتك " أنت ".. لأنك لا تتعلم لغته.. وسينبذ ثقافتك.. لأنك تنبذ ثقافته.. وسيعلوالحاجز الذي يفصل بينكما.. وستترجم التباينات إلى ممارسات سياسية وحقوقية.. ويكون ذلك مدخلا لصراع هوية.. قد يحسم لصالح اللغة الفرنسية.. والمسيحية التي تتغلغل في هدوء.
على الأرض.. تبدوالنزعة الجهوية شديدة الوطأة.. وكأن من قدر الجغرافيا الواسعة.. أن تكون سببا لتمزقنا.. كمقدمة لبناء غيتوهات طائفية.. نتقوقع داخلها .. سواء تعلق الأمر بإسناد المناصب الحساسة.. أوبتشكيل أوعية انتخابية وحزبية ذات منحى عرقي.. أوبالتبشير بجهوية قيل ـنها " مليحة " أي طيبة وجميلة.. وبالدعوة لجمهورية الأقاليم.. وبالمطالبة بحكم ذاتي.. لا ندري من أين سيبدأ.. ولا إلى أين سينتهي؟
لقد ساهمت السياسات الحمقاء.. لحكام اختزلوا الدولة في أهوائهم الشخصية.. في تغذية النزعات الجهوية.. ورفدها بجملة من القرارات التي لا تستمد شرعيتها من الشعب.. بل تأتي من رغبة هؤلاء في شراء ولاء الطرف الآخر بأي ثمن.
غيبوا دولة المواطنة والحرية وحقوق الإنسان.. واعتقدوا أن كل شيء يمكن الحصول عليه إما بالسلطة أي القوة.. أوبالمال أي بشراء الذمم.. ونسوا ـ أوتناسوا ـ أن الدولة كيان لا يبنى على الأشياء.. بل على الإنسان.. وبما يجمع.. وليس بما يفرق.
***
في الصيف الماضي.. انتهك بعض المارقين حرمة رمضان في وضح النهار.. لم يقولوا إنهم يتحدون السلطة.. بل ادعوا ممارسة حقهم في أن يكون لهم دين مختلف.. وبمناسبة حلول العام الميلادي الجديد.. أعلنت الكنيسة حضورها أمام الملأ.. وهكذا تحول المطلب العرقي إلى مطلب ديني.. ومهما يكن هؤلاء قلة.. فإنهم في النهاية سيكثرون.. حتى وإن ادعى وزير الشؤون الدينية أنهم بضعة أفراد.. غلبتهم بطونهم.. كما ادعى أنه لا يوجد شيعة في الجزائر!
هي بذور لها جذور.. نثرها في أرضنا " لافيجري ".. وحين اخترقت الأرض.. وجدت من وفر لها الرطوبة والماء كي تنمووتنضج.
لافيجري الذي بشر بـ "موارنة شمال إفريقيا".. عمل على تفتيت تاريخينا.. وتحويلنا إلى طوائف عرقية.. وكانت وصيته الذهبية للمبشرين الأوائل (في القرن التاسع عشر).. لا تحدثوهم عن الدين.. أقنعوهم بأنهم ليسوا عربا.. وسيتكفلون هم بالباقي.
بعد الاستقلال.. كان يمكن تأسيس دولة.. لا يعبث بها الأشخاص.. دولة الحريات والقانون والديمقراطية الفعلية.. وليس ديمقراطية الورق.. تلك التي تحميها القوة العادلة وليش الغاشمة.. كان يمكن لوتوفر أفق جلي.. يتجاوز المجال الشخصي لأفراد عديمي الضمير والعقل.. أن يتحول الاختلاف إلى تنوع خصب ومشرق.. بدل أن يفضي إلى ممارسات مشينة وقهرية.. قد تنتهي بنا جميعا في كف عفريت مجنون.
لافيجري.. لم يفعل أكثر من أن رمى بذرة.. ثم ذهب وتركها للأغبياء.. فهم أولى بها.
***
مصيبتنا في الجزائر.. أننا ندمر مشتركاتنا بالتدريج.. ونعمد إلى تسييج ما حولنا.. تاركين للآخر أن يحذوحذونا.. وبالخيارات والسياسات الرسمية .. ستتحول فكرة الأقليات إلى واقع يستحيل التخلص منه.
نحن لسنا في أمريكا.. حتى يتجاور الهندي الأحمر والإيرلندي والأصفر والأسود في مربع واحد.. وينتفي الصراع وتزول الفواصل وتتلاشى الحواجز النفسية.. فهناك تسود الحريات والقانون.. والفضاء المفتوح للجميع.. ضمن محتوى أمريكي مقدس.. لا يمكن المساس به.. أوالسطوعليه أوانتقاصه.. نحن هنا في الجزائر.. حيث لا يزال بالإمكان اعتبار الشياطين ملائكة.. والحمار إنسانا كامل الحقوق.
أليس الأولى.. والحال هذه.. أن نعيد النظر في كل شيء.. نعم في كل شيء.. فما قد نخسره اليوم أهون بكثير مما قد نخسره غدا.. وأن تحاصر حريقا في بيت.. خير من أن تواجهه وهويلتهم وطنا.
ما يجمعنا في الجزائر.. يفوق كثيرا ما يفرقنا.. والحقيقة التي يغفل عنها الناس.. والتي هي بصدد التحول إلى مغالطة مفضوحة.. أننا ـ بحكم الحقيقة التاريخية ـ بربر في أغلبنا.. تسعون في المائة منا أمازيغ ـ أوسمهم ما شئت ـ.. احتوانا الإسلام.. ومنه عبرت العربية إلينا.. وقلة قليلة من العرب المهاجرين.. ذابوا في الكيان الكبير.
وبهذا المعنى لا توجد أقليات في الجزائر.. إذ لا أحد أجرى تحليلا جينيا.. ليثبت أصالته.. أما الباقي فعربدة خارجية.. وشهوات حكم.. وكثير من الوهم.
الرابط : http://www.elbilad.net/chronique/detail?id=148
المصدر جريدة البلاد